السيد محمد تقي المدرسي

287

من هدى القرآن

يقدر عليه منها مهما كان متواضعا ، ولذلك نجد القرآن يُرسي قاعدة الإيمان بالآخرة في النفس ليحقق التوازن المطلوب في نفس البشر لكيلا ينساق وراء التكاثر في جمع حطامها ، ظنًّا منه أنه يحقق تطلعاته بذلك . كلا . . أنت مخلوق لما هو أكبر منه وأبقى ، فما الذي يعطيك هذا التفاخر والتكاثر ؟ هب أنك بلغت ما بلغ سليمان ذلك النبي الكريم الذي سُخِّرت له الريح ، واستخدم الجن وعُلِّم منطق الطير ، ولكن أتعلم أين سليمان اليوم ؟ وأين ملكه الكبير ؟ وأين عزته الشامخة ؟ أفلا نعتبر بمصير الملوك الذين حققوا عند الناس طموحاتهم فإذا بهم يُنقلون من قصورهم إلى قبورهم تأكل أبدانهم الديدان قبل أن تصبح رميما ثم ترابا تذروه الرياح ؟ . أما المؤمن بالآخرة فإن نفسه قانعة بما لديها ، راضية بما آتاها الله ، وتائقة إلى ما عنده . هل سمعت نبأ الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كيف خرج من أمواله جميعا لله مرة وقاسم الله أمواله مرات ؟ أم هل عرفت زهد الإمام علي عليه السلام ؟ وهكذا المؤمن يستبدل الدنيا بالآخرة ، ولن يمتنع عن الإنفاق في سبيل الله . وعلى أساس الإيمان بأن الآخرة هي دار الجزاء والخلود - فإما عذاب شديد ، أو مغفرة ورضوان من الله حسب ما يقدم الإنسان في الدنيا ليوم الحساب - فإنه لا ريب سيعرف أهمية الحياة الدنيا ، ودورها الحاسم في مستقبله الأبدي ، وحينها لن يدع الهزال والمزاح واللعب يأخذ من وقته شيئا ، لأن الغاية عظيمة ، والخطر كبير ، والفرصة قصيرة ، بل سوف يخشع قلبه لذكر الله خوفا من عذابه ، وطمعا في مغفرته ورضوانه . وأعظم هدف يسعى إليه هو الخلاص من النار ، لأن صراط الجنة يمر من فوقها . أوليس طريق الجنة محفوفا بالمكاره التي ينبغي للإنسان تحملها والصبر عليها ، وبالشهوات التي ينبغي أن يتحداها ويجتنبها ، فإن لم يتحمل ولم يصبر ، أو لم يتَحَدَّ ويتجنب فسوف يقع في الجحيم وقودا لنيرانها ويُعذَّب فيها بقدر فشله . وهذه الغاية من أعظم طموحات المتقين الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [ آل عمران : 191 ] . وأعظم بها من غاية فاز والله من أصابها فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [ آل عمران : 185 ] . والهدف الآخر هو الدخول إلى الجنة ، وذلك لا يمكن من دون مغفرة الله ورضوانه ، إذ لا يدخل أحد الجنة بعمله - بل بفضل الله - حتى الأنبياء ، وذلك لا يتحقق إلا بالإنابة إلى الله والاعتراف له بالخطأ ، والسعي الدائب للإصلاح . وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ هذه هي الأهداف الحقيقية التي يجب على كل إنسان السعي من أجلها ، وبها تصبح الدنيا آخرة ، والحياة فيها ذات معنى ، وكل ساعة فيها أعظم من ساعات الآخرة . أما من دونها فتصبح